مركز ظفار للثقافة والتراث والإبداع.. بين الرسالة والممارسة

 

 

 

خالد بن أحمد العامري

 

يُعرِّف مركز ظفار للثقافة والتراث والإبداع نفسه في موقعه الإلكتروني بأنَّه يسعى إلى التعريف بثقافة وتاريخ سلطنة عُمان وتعزيز الهوية الوطنية، وإلى الاهتمام بالثقافة والإبداع بوصفهما رسالة وقيمة وطنية، من خلال توظيف وسائل الإعلام المختلفة، وتعزيز علاقته بالمجتمع عبر برامج مشتركة، وتشجيع ودعم الإبداع الفكري والثقافي على المستوى الوطني.

كما يُؤكد المركز في أهدافه توفير المناخ الفكري والاجتماعي المناسب لمختلف شرائح المجتمع، واستثمار طاقاتهم لخدمة المجتمع المحلي في المجالات الثقافية والاجتماعية والتعليمية والبيئية، ومدّ جسور التواصل الحضاري والثقافي مع المراكز الثقافية والإعلامية محليا وعالميا، وتنظيم الأنشطة الهادفة، والحفاظ على مفردات الثقافة العُمانية، وتنمية الحسّ الاجتماعي وترسيخ ثقافة العمل التطوعي.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تتسق هذه الأهداف مع الممارسة الفعلية على أرض الواقع؟ وهل يمارس المركز دوره كمؤسسة ثقافية وطنية غير ربحية، أم تحول إلى مؤسسة ربحية على حساب الفن والثقافة؟

وإذا كان المركز يحظى بدعم ورعاية من القطاعين العام والخاص، فما الحاجة إلى تحويل المسابقات الفنية إلى سباق قبلي، فالمؤسسات الثقافية وجدت لتصنع الوعي، وتستنهض المواهب، وتبني جيلًا يؤمن بالفن والإبداع… لا لتستغل التعصب أو شغف الشباب لتحقيق مكاسب مالية.

ما يحدث في مسابقة "صوت الموسم" يثير تساؤلات جادة حول مدى التزام المركز برسالته؛ فبدل أن تكون منصة لدعم الثقافة والمواهب، تحول المركز إلى مؤسسة ربحية عبر التصويت المدفوع من خلال قنوات شركات الاتصالات والبنوك، مع انزلاق المسابقة إلى سباق قبلي لحشد الأصوات والدعم المالي، لا على جودة الأداء أو مستوى الإبداع.

والأخطر أن بعض المتابعين لم يعد ينظر إلى المسابقة باعتبارها منافسة فنية؛ بل معركة قبلية يفرض فيها الانتماء القبلي على حساب الفن. حتى إن بعض أبناء القبائل يشعرون بأن التصويت واجب عليهم، حتى وإن لم يقتنعوا بجدوى المسابقة، وأن من يمتنع يُتهم بأنه خذل قبيلته قبل أن يخذل المتسابق، وكأن خسارة المتسابق خسارة للقبيلة ذاتها. وهكذا يتحول التصويت من دعم للموهبة إلى واجب قبلي يقاس بالولاء لا بالذوق الفني أو القناعة.

وعندما تتحول الفعاليات الثقافية إلى منصات تستحضر التعصب، فإنها تضرب صميم الرسالة الثقافية، وتخلق بيئة ملوثة بالعنصرية والانقسام.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدخل الجهات الرسمية لكبح هذا الانحراف، وإعادة المسابقات إلى مسارها الطبيعي قبل أن تتحول إلى صراعات تزرع الاحتقان وتضعف تماسك المجتمع، بدل أن تعزز قيمة الفن والثقافة.

الإبداع لا يُشترى، والمواهب لا تقاس بعدد المُصوِّتين؛ بل بما يقدمه المتسابقون من جودة وأداء. وإذا لم يعالج المركز آلياته وسياساته، فسوف تفقد فعالياته مصداقيتها، ويتحول من منصة ثقافية وطنية إلى مجرد وسيلة للربح، بعيدة عن رسالته الأصلية في تعزيز الثقافة والفن في سلطنة عُمان.

إنَّ مسؤولية المؤسسات الثقافية أكبر من مجرد تنظيم مسابقات موسمية؛ فهي تصنع ذوق المجتمع، وترسّخ الوعي، وتبني هويته. ومن ثمّ فإن استمرار هذه الممارسات دون تصحيح سيحول الفن من ساحة للإبداع إلى ساحة للتعصب والانقسام.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z